فصحاء

الأساس النظري الذي تستند عليه مجموعة فصحاء يقوم على نقاط كثيرة نذكر منها :

هناك نظريتان في تعليم اللغات في العالم و في بلد ما يتم تبني إحداهما و تجاهل الأخرى كما لو كانت غير موجودة. ففي البلدان التي تشجع الهجرة إليها مثل كندا ، يُرَوَّجُ لتعليم الطفل لغات متعددة منذ البداية انطلاقا من قدرة الطفل على اكتساب لغات متعددة . هذا يلبي حاجة بلدان الهجرة في إدماج المهاجرين لغويا وثقافيا في ثقافتها من جهة ، و يلبي طموحات المهاجرين الذين يرغبون في تعليم لغاتهم الأم لأولادهم إلى جانب لغة بلد المهجر من جهة أخرى .

والحقيقة أن تربويين آخرين يناقضون بشدة هذه النظرية و يصرون على تعليم الطفل حتى سن العاشرة أو الثانية عشرة لغة واحدة ، كما يحصل في ألمانيا و إنكلترا، ليستقيم عليها لسانه وتنطبع بها طريقة تفكيره وشخصيته. فاللغة ليست لسانا فقط ، إنما هي طريقة تفكير وبذلك يضمنون تفوقا للطفل في بناء الشخصية والتفكير و يعلمونه فيما بعد سن الثانية عشرة لغات أخرى للتواصل مع العالم .

ونحن في مجموعة فصحاء نستفيد من كلا النظريتين ، حيث ندرك الإمكانات المفتوحة التي حباها الله تعالى للأطفال في قدرتهم على تعلم لغات عديدة (سبع لغات) قبل سن السادسة من خلال جهاز اكتساب اللغة الذي أودعه الله فيهم والذي يبدأ بالتوقف عن العمل بدءا من سن السادسة و يتوقف عن العمل تماما في سن العاشرة (نعوم تشومسكي 1957) ، لكنا ندرك أيضا أن محدودية الوقت والإمكانات أمام الأسر المهاجرة لنقل لغتها وثقافتها لأبنائها تجعل أكثر من تسعين بالمئة من أولادنا يخسرون لغتهم العربية الفصحى عند اتباع ههذ الطريقة . و من جهة أخرى ندرك استحالة تطبيق النظرية الأخرى في مجتمع عالمي مفتوح تعيشه الأقليات العربية في بلدان المهجر ، حيث لا يمكنها تعليم الأطفال اللغة العربية وحدها مع دخول الأطفال إلى المدرسة في سن الخامسة .

مثال : مهاجر من الباكستان يود تعليم لغة الأردو لابنه لأنها لغة أجداده ، و العربية من أجل القرآن ، والفرنسية لأنها لغة بلده كندا – كيبيك ، و الإنكليزية للنجاح في العالم أجمع . يجد هذا المهاجر في النظرية الأولى ما يطمئنه لقدرة ابنه على اتقان جميع هذه اللغات . لكن الواقع الذي يوفر اللغة الفرنسية فقط في التعليم الابتدائي الأساسي يجعل من ابنه يتقنها على حساب باقي اللغات بدرجات متفاوتة تتعلق بمدى تعرضه لتلك اللغات في البيئات الداعمة التي يتردد عليها الطفل .

السؤال المهم هو ما هي حصة الوقت والإمكانات التي نوفرها لأطفالنا لتعلم اللغة العربية الفصحى ؟

يدخل الأطفال إلى المدارس العامة في سن الخامسة و يقضون فيها سبع ساعات على الأقل بدءًا من الصباح وهم في أوج نشاطهم الذهني . ثم يعودوا إلى البيت متعبين لتناول الطعام والاستراحة والنوم .

تحاول بعض الأسر تأمين التعليم العربي من خلال مدارس نهاية الأسبوع أو مدارس الدوام الكامل الخاصة وكلا النوعين يدرِّس خمس ساعات فقط في الأسبوع تتوزع على اللغة العربية وقراءة القرآن . ومن المعلوم أن ساعتين في الأسبوع لا تكفيان لتعلم اللغة العربية ، مما يجعل الطلاب في نهاية الأمر قادرين ربما على قراءة بعض الكلمات ولكن يشعرون بإحباط شديد لأنهم لا يتمكنون من استخدام الفصحى في التعبير عن أفكارهم و أحاسيسهم أو عن أية مواضيع علمية أو أدبية .

إن محدودية الوقت والإمكانات التي تستطيع الأسر المهاجرة محدودة الدخل توفيرها ترجح نظرية الإحلال التي تقول بأن استخدام لغة ما سيكون على حساب الأخرى . فوقت الطفل محدود و لا تستطيع الأسر أن تقدم له تعليما باللغة العربية يوازي ما يقدم له من اللغات الأجنبية . و مبدأ الإحلال هذا يصح على كل اللغات ، فالإنكليزية مهددة في مقاطعة كيبك الفرنسية ، و الفرنسية مهددة في مقاطعات كندا الأخرى . لقلة الوقت والموارد المخصصة للغة الضعيفة في المناهج الدراسية . و في ظل غياب التعليم المنزلي والموارد من كتب ومعلمين و أوقات مخصصة للعربية تتراجع اللغة العربية إلى ذيل القائمة . لذا لا بد من التفكير بضمان حصص متكافئة من الوقت والإمكانات (كتب ، معلمين ، بيئة داعمة) للغات المستهدفة لتصبح نظرية تشومسكي صحيحة .

وفي ظل هذا التزاحم على الأوقات كان لابد من التضحية بالعامية لتحل محلها الفصحى في البيت . وكان لزاما على الأبوين القيام بدورهما التعليمي بالفصحى سيما و أن حاجات الأبناء في سني عمرهم الأولى محدودة و يمكن لمعظم الآباء الاضطلاع بهذه المسؤولية . أما في حال وجود حائل دون ذلك فيمكن للآباء الخضوع لدورات مركزة (30 ساعة) للتدرب على استخدام الفصحى . وهذا يعني ممارسة الطفل للفصحى على مدى السنوات الأولى من 2 إلى 5 سنوات حتى إذا دخل المدرسة كان صف الاستقبال كفيلا بتعليمه لغة البلد .

إن اللغة العامية هي لغة شفهية غير مكتوبة وهي أضعف من أي لغة أخرى مكتوبة ذات قواعد. كما أن اللغة المستخدمة في المنزل لغة بسيطة لا تعدو عن كونها أسماء لأدوات المنزل من صحون وأواني وأدوات، أما ما يجب الانتباه له هو أن نزود الطفل بلغة راقية ذات قواعد (الفصحى) و مفردات غزيرة ذات قانون لغوي للتوليد والاشتقاق ، قادرة على منافسة اللغات الأخرى و قادرة على التعبير عن أدق المشاعر والحاجات المعيشية من المعاملات إلى التقنيات . وقد أثبتت التجربة أن الأولاد يميلون لاستخدام لغات البلد في التعبير عن المواضيع المعقدة و لا يستخدمون العامية العربية في الحوارات حتى في ما بين العرب أنفسهم لعجز العامية.

لو لم يكن القرآن منزلا باللغة العربية و كل تراثنا الفقهي والديني على مدى أربعة عشر قرنا مكتوبا بهذه اللغة لكان لنا تساهل في الحفاظ على لغة أجدادنا. ولكن كون العربية هي المدخل لفهم القرآن والدين أجمع ، فتعلمها والحفاظ عليها أصبح واجبا. ورغبتنا في تعليم أولادنا هو شعور طبيعي موجود لدى كل آباء الجالية ولا يحركه أي دوافع إيديولوجية قومية.

وبحمد الله فقد استطعنا بالتفكير العلمي و تراكم الخبرة لدينا في تدريس العربية لغير الناطقين بها على مدى أكثر من خمسة عشر عاما ، وضع الخطوات العملية المؤدية للحصول على جيل لغته الأم الأولى العربية الفصحى بالرغم من أنه ولد في بلدان المهجر . وليس أدل على نجاح فكرتنا إلا قدرة أولادنا في عمر ثلاث سنوات على التعبير عن أنفسهم بالفصحى بدون أي عامية و الحمد و المنة لله تعالى على كرمه و توفيقه و نرجو منه أن يوفقنا لتيسيير ما توصلنا إليه ليكون متاحا لأبنائنا ممن يريدون تعلم العربية لتكون العربية الفصحى إحدى اللغات الأم التي يتقنونها إلى جانب اللغات الأجنبية الأخرى التي يتعلمونها قبل سن السادسة .